سهيلة عبد الباعث الترجمان

576

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

العبارة والتزامه بالرمزية الدقيقة واستخدامه الإشارة ، كل ذلك صونا لعلومه من الانتشار ، وحفظا لأسراره من أن تذاع ، وذلك جريا على عادة الصوفية من أن تذاع علومهم بين غير أهلها فتفهم على غير مرادها . وقد أخبر عن نفسه أنه أحجم عن تأليف كتابه الإنسان الكامل لما لمسه من إجلال لمسائل التحقيق وتقصيره عن الإحاطة بها لعدم دقته في هذا الأمر ، إلى أن أتاه الأمر الرباني بإخراج ذلك الكتاب فقال " بعد أن شرعت في التأليف وأخذت في البيان والتعريف خطر فيّ الخاطر أن أترك هذا الأمر الخاطر إجلالا لمسائل التحقيق وإقلالا لما أوتيت من التدقيق . . . فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وألغازه . . . " « 1 » . ويحرص الجيلي على استخدام المصطلح الصوفي كأداة في التعبير ، وهو مصطلح غامض رمزي لا دلالة له إلا عند من تعارف عليه ، ولا نصيب للقارئ العادي به ، إذ يستوجب فهم ذلك اللجوء إلى كتب المصطلحات التي تواضع عليها الصوفية لمعرفة مقصودهم منها ومواقعها في الكلام لدى قائلها ، وفي ذلك قوله : " ولا بدّ لنا من التنزل في الكلام على قدر العبارة المصطلحة عند الصوفية ونجعل موضع الحاجة فيها موشحا بين الكلام ليسهل فهمه على الناظر فيه . وسأنبه على أسرار لم يضعها واضع علم في كتاب . . . موضحا به ألغاز الموجود ، كاشفا به الرمز المعقود ، سالكا في ذلك طريقة بين الكتم والإفشاء ، مترجما به عن النثر والإنشاء ، فليتأمل الناظر فيه كل التأمل ، فمن المعاني ما لا يفهم إلا لغزا أو إشارة ، فلو ذكر مصرّحا لحال الفهم به عن محله إلى خلافه فيمتنع بذلك حصول المطلوب وهذه نكتة كثيرة الوقوع « 2 » . ويضرب لذلك مثلا من القرآن الكريم في قوله تعالى قائلا : ألا ترى إلى قوله تعالى وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ « 3 » لحصل منه أن ثمّ سفينة غير المذكورة ليست بذات ألواح ودسر " « 4 » وهذا ما يدل على مدى تأثر علوم الصوفية بالقرآن الكريم والسير على نهجه من الرمز والإشارة وذلك كي يتدبّر القارئ فهمه ويعيه ولا يأخذه على

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، المقدمة ، ص 4 . ( 2 ) المصدر السابق ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 5 . ( 3 ) سورة القمر ، الآية : 13 ك . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 5 .